الشيخ محمد عبده

69

رسالة التوحيد

حاجة البشر إلى الرسالة سبق لك في الفصل السابق ما يهم الكلام عليه من الوجه الأول ، وهو وجه ما يجب على المؤمن اعتقاده في الرسل . والكلام في هذا الفصل موجه - إن شاء اللّه - إلى بيان الحاجة إليهم وهو معترك الأفهام ومزلة الأقدام ، ومزدحم الكثير من الأفكار والأوهام ، ولسنا بصدد الإتيان بما قال الأولون ، ولا عرض ما ذهب إليه الآخرون ، ولكنا نلزم ما التزمنا في هذه الوريقات من بيان المعتقد ، والذهاب إليه من أقرب الطريق ، من غير نظر إلى ما مال إليه المخالف ، أو استقام عليه الموافق ، اللهم إلا إشارة من طرف خفى ، أو إلماعا لا يستغنى عنه القول الجلى . وللكلام في بيان الحاجة إلى الرسل مسلكان : ( الأول ) - وقد سبق الإشارة إليه - يبتدئ من الاعتقاد ببقاء النفس الإنسانية بعد الموت ، وأن لها حياة أخرى بعد الحياة الدنيا تتمتع فيها بنعيم ، أو تشقى فيها بعذاب أليم ، وأن السعادة والشقاء في تلك الحياة الباقية ، معقودان بأعمال المرء في حياته الفانية ، سواء كانت تلك الأعمال قلبية كالاعتقادات والمقاصد والإرادات ، أو بدنية كأنواع العبادات والمعاملات . اتفقت كلمة البشر : موحدين ووثنيين مليين وفلاسفة إلا قليلا لا يقام لهم وزن - على أن لنفس الإنسان بقاء تحيا به بعد مفارقة البدن ، وأنها لا تموت موت فناء 86 ، وإنما الموت المحتوم هو ضرب من البطون والخفاء ، وإن اختلفت منازعهم في تصوير ذلك البقاء وفيما تكون عليه النفس فيه ، وتباينت مشاربهم في طرق الاستدلال عليه ، فمن قائل بالتناسخ في أجساد البشر أو الحيوان على الدوام ، ومن ذاهب إلى أن التناسخ ينتهى عندما تبلغ النفس أعلى مراتب الكمال ،